فخر الدين الرازي
217
تفسير الرازي
ولذلك قال : * ( وكلم الله موسى تكليماً ) * فلهذا المقصود اختار لفظة الغيبة . وأما قوله : * ( وآتينا عيسى ابن مريم البينات ) * فإنما اختار لفظ المخاطبة ، لأن الضمير في قوله : * ( وآتينا ) * ضمير التعظيم وتعظيم المؤتى يدل على عظمة الإيتاء . السؤال الثاني : لم خص موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر ؟ وهل يدل ذلك على أنهما أفضل من غيرهما ؟ . والجواب : سبب التخصيص أن معجزاتهما أبر وأقوى من معجزات غيرهما وأيضاً فأمتهما موجودون حاضرون في هذا الزمان وأمم سائر الأنبياء ليسوا موجودين فتخصيصهما بالذكر تنبيه على الطعن في أمتهما ، كأنه قيل : هذان الرسولان مع علو درجتهما وكثرة معجزاتهما لم يحصل الانقياد من أمتهما ، بل نازعوا وخالفوا ، وعن الواجب عليهم في طاعتهما أعرضوا . السؤال الثالث : تخصيص عيسى بن مريم بإيتاء البينات ، يدل أو يوهم أن إيتاء البينات ما حصل في غيره ، ومعلوم أن ذلك غير جائز فإن قلت : إنما خصهما بالذكر لأن تلك البينات أقوى ؟ فنقول : إن بينات موسى عليه السلام كانت أقوى من بينات عيسى عليه السلام ، فإن لم تكن أقوى فلا أقل من المساواة . الجواب : المقصود منه التنبيه على قبح أفعال اليهود ، حيث أنكروا نبوة عيسى عليه السلام مع ما ظهر على يديه من البينات اللائحة . السؤال الرابع : البينات جمع قلة ، وذلك لا يليق بهذا المقام . قلنا : لا نسلم أنه جمع قلة ، والله أعلم . أما قوله تعالى : * ( وأيدناه بروح القدس ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : القدس تثقله أهل الحجاز وتخففه تميم . المسألة الثانية : في تفسيره أقوال الأول : قال الحسن : القدس هو الله تعالى ، وروحه جبريل عليه السلام ، والإضافة للتشريف ، والمعنى أعناه بجبريل عليه السلام في أول أمره وفي وسطه وفي آخره ، أما في أول الأمر فلقوله : * ( فنفخنا فيه من روحنا ) * ( التحريم : 12 ) وأما في وسطه فلأن جبريل عليه السلام علمه العلوم ، وحفظه من الأعداء ، وأما في آخر الأمر فحين أرادت اليهود قتله أعانه جبريل عليه السلام ورفعه إلى السماء والذي يدل على أن روح القدس جبريل عليه السلام قوله تعالى : * ( قل نزله روح القدس ) * ( النحل : 102 ) . والقول الثاني : وهو المنقول عن ابن عباس أن روح القدس هو الاسم الذي كان يحيي به